الشيخ جواد بن عباس الكربلائي
294
الأنوار الساطعة في شرح زيارة الجامعة
تحصيل معرفته تعالى ، كما قال السجاد عليه السّلام : " وإنه لا طريق إلى معرفتك إلا بالعجز عن معرفتك ، " أي لا بد للخلق من الإقرار بالعجز ، فحينئذ يتفضل الباري عليهم بالمعرفة ، وفي الكافي باب منعقد لخصوص أن المعرفة من صنع الله تعالى . فحينئذ ينحصر حصول المعرفة به تعالى في أن يعرفهم الله تعالى نفسه ، وهو تعالى أحب أن يعرف ، وأن يعرفوه بما عرفهم من نفسه بلسان نبيه والأئمة عليهم السّلام . وبعبارة أخرى : أن يعرفوه بسبيل معرفتهم ، وقد تقدم في موارد من الشرح أنه لا سبيل إلى معرفته إلا بسبيل معرفتهم ، فراجع ، فحينئذ اقتضت الحكمة الإلهية على أن خلق ما شاء من خلقه على حقيقة معرفته ، وعلى كونهم محالا لمعرفته ، ليتوسل الخلق بسبيل معرفتهم إلى معرفته تعالى ، وتقدم أيضا قول الباقر عليه السّلام : " فنحن أول خلق ابتدأ الله ، وأول خلق عبد الله وسبحه ، ونحن سبب خلق الخلق ، وسبب تسبيحهم وعبادتهم من الملائكة والآدميين فبنا عرف الله ، وبنا وحد الله ، وبنا عبد الله ، وبنا أكرم الله من جميع خلقه " ، الحديث ذكره السيد البحراني رحمه الله في غاية المرام ص 104 . ومثله كثير كما لا يخفى ، فسبحان من جعل الأئمة عليهم السّلام في أول الخلق النعمة الكبرى ، والآلاء العظمى على من سواهم ، فما لله تعالى نعمة أعظم منها علينا ، حيث إنه تعالى خلقهم ، وأنهى إليهم علمه ، وأشهدهم أمر خلقه ، وجعلهم الهداة إليه ، فمن اهتدى بهم نجا ، ومن تخلف عنهم هلك ، وجعلهم أعضاد الخلق إلى كل خير من سعادة الدنيا والآخرة فلا يسعد من سعد إلا بهم ، ولا يشقي من شقى إلا بمخالفتهم وترك متابعتهم ، بل علمت أنه تعالى بفضل وجودهم أوجد من سواهم وما سواهم ، فرزق الخلق ونجاتهم وهدايتهم في الدارين ، وقبول عبادتهم ، ودفع البلاء عنهم ، ووصولهم إلى كل خير ، إنما هو بهم وبمتابعتهم وبقبول ولايتهم عليهم السّلام فلا منّة حينئذ أعظم من مننه تعالى علينا من هذه النعمة ، ونحن نذكر حديثا جامعا قد ذكر فيه هذه النعماء .